المقريزي
101
المقفى الكبير
عدوّك ومن خفته على المعصية ممّا قبلك فاقتله ، فإنّي قاتل من قبلي . ومن كان عندي ومن ولي لمن هرب عنك ، فألمني مكانه ، فإنّي أرى أن آخذ السميّ بالسميّ ، والوليّ بالوليّ . فكتب المهلّب إليه : ليس قبلي إلّا مطيع ، وإنّ الناس إذا أمنوا العقوبة صغّروا الذنب ، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك . فهب لي هؤلاء الذين سمّيتهم عصاة ، فإنّهم فرسان أبطال أرجو أن يقتل اللّه بهم العدوّ ، ونادم على ذنبه . وقال الحجّاج ذات يوم : العجب من هذا المزوني « 1 » - اسم عمان فارسيّة كانت تسمّيها بها المجوس ، ثمّ تسمّت بها الأزد لأنّها دولتهم - يعني المهلّب ، أكل الأرض مذ كذا وكذا ، ثمّ تربّص بنا وبأمير المؤمنين . اكتب يا غلام ! من الحجّاج بن يوسف إلى المهلّب بن أبي صفرة : أمّا بعد ، فإنّك مزونيّ ابن مزوني ، والعجب منك أنّك تربّص بقتال الأزارقة كأنّك ترى أنّك ترث الأرض . لئن لم تعاجل القوم لأبعثنّ إليك من يحملك على مكروهك ! والسلام . وكان المهلّب يروّي الخوارج من منزل إلى منزل ، حتّى انتهى إلى إصطخر فقاتلوه قتالا شديدا . وأقام بها ثمانية أشهر . ولمّا أتاه كتاب الحجّاج كتب إليه : للأمير الحجّاج بن يوسف من المهلّب بن أبي صفرة : أمّا بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر أنّي مزوني ابن مزوني . وما أنكر ذلك . وإنّما مزون عمان سمّتها العجم بهذا الاسم . ولعمر اللّه إنّي لمزوني ابن مزوني ولا أنكر ذلك . ولكنّ الأمير من قبيلة ادّعت إلى خمس قبائل « 2 » ، ثمّ واللّه ما استقرّ قرارها بعد : كانوا بقيّة ثمود ، ثمّ انتموا إلى وحاطة من حمير ، ثمّ انتموا إلى إياد ، ثمّ انتموا إلى عدوان ، ثمّ انتموا إلى قيس بن منبّه . فليت شعري في أيّ الخمس هي اليوم ؟ فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب تبسّم وقال : فحشنا على الرجل ، ففحش . ثمّ إنّ الحجّاج استبطأ المهلّب في مناجزة الحروريّة ، فدبّ إليه حسدة المهلّب ، فكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّك أقبلت على جباية المال بغلّة عبيد مرّاق واحتجانه ، وأبطأت عن لقاء العدوّ وقتالهم . وإنّك لتناجزهم أو لأبعثنّ من هو أشدّ منك إقداما . وقد أرى مكانك عبّاد بن حصين الحبطيّ وفلانا وفلانا ، فإنهم إن يولوا يناجزوا القوم . وقد أرى مكان القشيرية ومكان أرضك ودارك بالبصرة ، وقد أرى تربّصك في خنادقك وجبنك في لقاء عدوّك شهرا بعد شهر ، وسنة بعد سنة . وقد أكثرت التعجّب من تركي إيّاك على عملك ، وإنّما أنت رجل من أهل عمان من الأزد ، فأخرج من خنادقك ، والق عدوّك يوم كذا وكذا ، فإنّك إن لم تفعل أسندت الرمح « 3 » . فلمّا قرأ المهلّب كتابه دعا ببنيه ، فقال : « أمير مسلّط ! » ثمّ قال : غلام حدث ، ظفر [ 323 ب ] بأرامل الحجاز ، فظنّ أنّ من بقي مثل من يحاول .
--> ( 1 ) حاشية في الهامش : المزون : اسم عمان ، فارسيّة ، كان يسمّيها بها المجوس . ثمّ سمّيت بها الأزد لأنّها قراهم ( وانظر ياقوت : مزون بالضمّ . وفي معجم ما استعجم : مزون بالفتح ، وقالا : المهلّب بن أبي صفرة يسمّى المزوني ) . ( 2 ) حاشية في الهامش : اختلف في ثقيف ابن من هو ؟ فقيل : هو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن . وقيل : ثقيف بن النبيت بن منبّه بن منصور بن تقدّم بن أقسى بن دعمى بن إياد بن نزار بن معدّ . وقيل : ثقيف بين ثنايا ثمود ، ونسبهم غامض على شرفهم وكثرة مناكحهم قريشا . ( 3 ) الكامل للمبرّد 1125 : وإلّا أشرعت إليك صدر الرمح .